عمران سميح نزال
160
الوحدة التاريخية للسور القرآنية
بندائها في نظم واحد مع الآيات السابقة ، وبحكم المناسبة التنزيلية لهذه الآيات بعد تلك ، يلزم أن يكون تاريخ نزولها في سياق تاريخي واحد كما هي في سياق نظم واحد وسورة واحدة ، وهو تاريخ نزول الآيات النازلة في غزوة الأحزاب وقريظة ، حيث لا يوجد مانع نقلي أو عقليّ يخرج المناسبة التنزيلية لهذه الآية عن وحدتها التاريخية ، وهو ما سوف نتأكد منه في الروايات الواردة ، إذ لم يصح من هذه الروايات أيّ خبر يؤخّر تاريخ نزولها كثيرا أو يجعله قبل غزوة الأحزاب ، ولذا فإن تاريخ نزول هذه الآية والتي يليها في زوجات النبي هو أواخر السنة الخامسة أو بداية السنة السادسة للهجرة ، بحكم المناسبة التاريخية لغزوة الأحزاب والوحدة التاريخية للآيات النازلة فيها . والمناسبة الموضوعية لنداء يا أَيُّهَا النَّبِيُّ في هذه السورة ، هي أن يتمّ التأكيد على أن علاقات النبي عليه الصلاة والسلام بأزواجه محكومة بشرع القرآن الكريم ، ومفصّلة بالآيات المنزلة من اللّه تعالى ، وهذه العلاقة ليست مثل علاقات أحد من المسلمين أو المؤمنين مع أزواجهم ، إذ إنه نبي وهنّ زوجات نبي ، وحياة النبي الاجتماعية محكومة بالشريعة الخاصّة بالنبي ، في الدعوة والجهاد والحكم والتبليغ وغيرها ، وعلى زوجات النبي أن يعلمن ذلك ، وأن يعلمن أنهن لسن كأحد من النساء ، أي لسن كأحد من نساء المؤمنين لخصوصية تتعلّق بزوجهن ومكانته بين المؤمنين . ولسن كأحد من نساء الملوك في الأرض أيضا ، لأن حياة النبي عليه الصلاة والسلام بعد غزوة الأحزاب قد دخلت مرحلة جديدة ، فقد فشلت الدولة الكافرة في مكة ( قريش ) ومن حالفها من الأعراب ( غطفان ) وبعض أهل الكتاب ( بنو قريظة ) من القضاء على دولة المؤمنين ، أي أنّ دولة المؤمنين التي يقودها نبي اللّه قد نجحت في الثبات أمام التحالف الإقليمي أو الدولي من حولها ، ورد اللّه الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا ، وصدّهم على أعقابهم ، بل وأورث المؤمنين أرضهم وأموالهم جزاء غدرهم وخيانتهم للمؤمنين ، وبذلك أصبحت دولة المؤمنين دولة قائمة في الوجود الدولي في ذلك العصر ، وأصبحت الأنظار نحوها من كل الدول الكبرى في ذلك العصر ومن غسان ودولة الروم والفرس والحبشة .